الشيخ عبد الواحد محمد بن الطواح
55
سبك المقال لفك العقال
الحد والحقيقة على السواء ، من كشف الشيء على ما هو عليه ، والذين يرون أن المعرفة أخص باسم العارف من العلم باسم العالم ، ويرون أن العلم حجاب فأمم « 1 » لا تحصى ، والعلم هو الصفة الشريفة التي وصف الحق بها نفسه وخاصته من أنبيائه وملائكته « 2 » ، ثم منّ على أوليائه بأن جعلهم ورثة الأنبياء « 3 » ولما أمتن عليهم بهذه النعمة الشريفة ، خصّ أهل العلم بالابتلاء ، وهو من اللّه بهم لطف ، وتشحير « 4 » ونعمة في حقهم ، علمه العالمون ، وجهله الجاهلون فإن قلت : كيف يكون ذلك نعمة ، وظاهر الأمر أنها نقمة ؟ ؛ قلت : ابتلاؤهم في دنياهم هو تحصيل السعادة الأخروية الأبدية ، والظفر بعقبى الدرجات العليّة ، ولما كانت السعادة إنما هي معرفة اللّه تعالى ، ومشاهدة ملكوته ؛ فإن ابتلاءهم في العاجل مضاعف لنيل الدرجات في الآجل ، دليله قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « نحن معاشر الأنبياء أشد الناس ابتلاء ثم الأمثل فالأمثل » « 5 » ، روى ابن خفيف الشيرازي « 6 » أن أبا حامد النجلي « 7 » جاء إلى أبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج « 8 » وهو على خشبته ، فقال : الحمد للّه الذي أمكن منك يا عدوّ
--> ( 1 ) في ( ب ) فأقم . ( 2 ) إشارة إلى قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] . ( 3 ) « العلماء ورثة الأنبياء » رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي الدرداء مرفوعا ، وإن ضعفه غيرهم ، انظر المقاصد الحسنة : 286 . ( 4 ) كذا في المخطوط ، ويريد باللفظ وترشيح . وفي ( ب ) تسخير . ( 5 ) ورد هذا الحديث بلفظ مختلف ، رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن سعد بن أبي وقاص . ( 6 ) يوسف بن أحمد الشيرازي من أعلام القرن السادس الهجري كان من الحفاظ وشيوخ الصوفية ببغداد ، ورحل في طلب العلم إلى بلاد فارس والشام والحجاز ، واشتهر بالتأليف والتصنيف ، وحسن المحاضرة والظرف ، وكلّف ليكون رسولا عن الحليفة إلى ديوان ملك الروم ، ترجمته في - الأعلام لابن قاضي شهبة ، وتذكرة الحفاظ 4 : 145 الأعلام 8 : 214 . ( 7 ) لعل المقصود به حامد بن العباس وزير المقتدر ، والذي تفنن تفننا شديدا في اتهام الحلاج ورميه بعديد التهم ، وأشرف بنفسه على التحقيق معه ، وإنهاء حياته وتصفيته . راجع شرح ديوان الحلاج : 45 وما بعدها . ( 8 ) هو أبو مغيث من أعلام القرن الرابع ، وهو من الشخصيات القلقة التي تضاربت كلمة الباحثين حولها ؛ فيعد عند بعضهم من المتصوفة والفلاسفة المتعبدين ، ويعد عند غيرهم في -